أبو الليث السمرقندي

376

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

ينصرفون من الحرب ، منهزمين . يعني : به : يوم بدر ، وفي هذا علامة من علامات النبوة ، لأن هذه الآية نزلت بمكة ، وأخبرهم أنهم سيهزمون في الحرب ، فكان كما قال . وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة ، أن عمر - رضي اللّه عنه - قال : لما نزلت هذه الآية : سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ فكنت لم أعلم ما هي ، وكنت أقول : أي : جمع يهزم ؟ فلما كان يوم بدر ، رأيت النبي صلّى اللّه عليه وسلم يثبت في الدرع ، ويقول : سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ وقال الزجاج : « ويولون الدبر » يعني : الإدبار ، كقوله تعالى : يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ [ آل عمران : 111 ] لأن اسم الواحد يدل على الجمع ، وكذلك قوله تعالى : فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ [ القمر : 54 ] أي : أنهار . وذكر عن الفراء أنه قال : إنما وحّد لأنه رأس آية تقابل بالتوحيد رؤوس الآي . وكذلك في الدبر ، لموافقته رؤوس الآي . ثم قال : بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ يعني : مجمعهم وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ يعني : عذاب الساعة أعظم وأشد من عذاب الدنيا . ثم وصف عذاب الآخرة فقال : إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ يعني : المشركين في الدنيا في ضلالة ، وخطأ ، وخلاف ، وفي سعير في الآخرة . والسعر جماعة السعير . ويقال : السعر يعني : في عناء . ثم أخبرهم بمستقرهم فقال عز وجل : يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ يعني : يجرون في النار على وجوههم ، ويقول لهم الخزنة : ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ يعني : عذاب النار . [ سورة القمر ( 54 ) : الآيات 49 إلى 55 ] إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ ( 49 ) وَما أَمْرُنا إِلاَّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ( 50 ) وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 51 ) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ ( 52 ) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ ( 53 ) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ( 54 ) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ( 55 ) ثم قال : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ يعني : خلقنا لكل شيء شكله مما يوافقه . وروي عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال : هذه الآية نزلت في أهل القدر يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ وقال محمد بن كعب القرظي : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ نزلت تعبيرا لأهل القدر . قال أبو الليث : حدّثنا أبو جعفر . قال : حدّثنا أبو القاسم ، حدّثنا محمد بن الحسن ، حدّثنا سفيان عن وكيع ، عن زياد بن إسماعيل ، عن محمد بن عبادة ، عن أبي هريرة قال : جاء مشركو قريش إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يخاصمونه في القدر ، فنزلت الآية يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ وروى الضحاك ، عن ابن عباس في قوله : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ